الخميس، ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٦

فى القفص ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى





فى القفص
قصة محمود البدوى

كان الصباح غائما مقرورا والريح تهب بشدة من ناحية البحر .. وكانت المقاهى والمطاعم الصغيرة ومحلات الحلوى التى تقع فى الميدان الواسع قليلة الرواد فى تلك الساعة من النهار لتقلب الجو وعصف الريح ..

وبرغم الرياح الهوج والإنذار بالمطر كان باعة الصحف يتحركون فى الميدان كعادتهم فى كل صباح ويصيحون بآخر تطورات الحرب فى الجزائر وآخر رحلة لرجل الفضاء ..

وكان ترام الرمل يفرغ فى كل دقيقتين حشدا مختلطا من الرجال والنساء الذاهبين إلى أعمالهم فيمتلىء بهم الميدان لحظات .. ثم يفرغ منهم ويستقبل غيرهم ..

وخرج ثلاثة من الركاب من خط « باكوس » وداروا متمهلين فى الميدان.. كأنهم يبحثون عن ملجأ يحميهم من العواصف ثم جلسوا فى داخل محل التريانون يستدفئون بشرب الشاى .. ويرقبون من خلال الزجاج فعل الرياح والعابرين من خلال النفق ..

وكانت الريح تذوم فى الخارج وهى تحمل فى دواماتها كل ما تستطيع حمله من الأوراق والغبار ولم تكن مثل هذه العواصف قد هبت على مدينة الإسكندرية منذ عشرين سنة .. فثار البحر وزمجر .. ووقفت السفن فى مدخل الميناء وتعطلت الحركة فى داخل المدينة ..

وكانت مثل هذه العاصفة قد هبت فى يوم الأربعاء الماضى على شاب من التجار وهو مسافر من الميناء إلى جنوا .. فضبط وهو يهرب ذهبا وعملات أجنبية وقبض عليه متلبسا بجرمة وأودع السجن رهن التحقيق ..

وعلمت زوجته الخبر المفزع فجاءت من القاهرة على عجل ومعها طفلها الوحيد عادل البالغ من العمر خمس سنوات وشاب قريب زوجها يدعى شوقى الذى أعلمها بالخبر وأبدى استعداده لمرافقتها إلى الإسكندرية ..

وركبوا ديزل الساعة السابعة صباحا ونزلوا فى سيدى جابر .. لأن شوقى كان يود أن يمر على صديق له يقيم فى الإبراهيمية ليساعده على أخذ التصريح من النيابة لزيارة السجين ..

ولما لم يجدوا الصديق فى بيته ... واصلوا الطريق بالترام إلى محطة الرمل فى جو عاصف .. واختاروا التريانون ليجلسوا فيه حتى يتدبر شوقى الأمر ..

وكان عبد الفتاح زوج فوزية شابا ذكيا ولامعا .. ويشتغل فى شركة من شركات السيارات وكان رفاقه ينظرون إليه كشاب له مستقبل .. واتسعت آماله وزادت مطامعه .. بعد أن تعلم من وجوده فى الشركة أشياء كثيرة فاستقل بنفسه وأصبح يتاجر فى السيارات والثلاجات .. ثم اتخذ من المحل ستارا لتهريب الأموال إلى الخارج لحساب الآخرين .. وفى إحدى محاولاته الجريئة قبض عليه متلبسا ..

وكانت فوزية تود أن تزوره فى هذا الصباح فى السجن وتعود إلى بيتها فى القاهرة فى اليوم نفسه .. ولذلك رفضت أن تذهب إلى الشقة التى يستأجرها شوقى فى الإسكندرية .. وتحت الحاحها على أن تعود إلى القاهرة فى اليوم نفسه .. رأى شوقى أن تجلس فى التريانون ومعها طفلها ويذهب هو لينجز إجراءات الزيارة ..

وتركها شوقى وذهب لسبيله وجلست فوزية ترقب الطريق من خلال الزجاج .. والريح تزف فى دوامات وتدفع أمامها كل شىء ..

ولأول مرة تجلس وحدها فى مكان عام وشعرت برجفة .. كان المكان خاليا تقريبا إلا من قليل من الرواد جلسوا متناثرين بجانب المناضد وعليها مفارشها الصفراء ..

وكانت العواصف فى الخارج تزار .. والرياح تدفع العابرين إلى الإسراع والسير تحت البواكى وجدران البيوت .. وتلاعب ملابس النساء فتجعلهن يضطربن فى سيرهن ويتلفتن إلى الوراء .. كأنهن يتأكدن من أن أحدا لا يراهن على هذه الصورة المثيرة أو يطلبن من الرجال العون ..

ولقد هبت هذه العاصفة على بيت فوزية منذ ثلاثة أيام .. وحملتها على متن الريح ودارت بها .. ومزقت كيانها .. وسترها وتركتها عارية أمام الناس .. فأحنت رأسها خجلا وتوارت ..

وعند ما طلبت العون فى مصيبتها .. لم تجد أحدا على الإطلاق يعينها غير شوقى ..

وجاءها شوقى فى الساعة الواحدة يحمل لها التصريح بالزيارة ولكن كان الموعد محددا فى صباح اليوم التالى فاختارت ماذا تفعل .. ولم يكن من سبيل غير المبيت فى الإسكندرية ..

وخرجوا من المقهى ليتغدوا فى أحد المطاعم العامة .. وعلى مائدة الغداء حدثها شوقى عن ضرورة الراحة فى شقته ورضيت لأنها كانت متعبة جدا وركبوا الترام إلى هناك ..

وكان شوقى مستأجرا شقة صغيرة من ثلاث غرف فى اسبورتنج قريبا من كليوباترا ويتخذها مصيفا ومقاما له عند ما تضطره ظروف عمله إلى التوجه إلى الإسكندرية ..

وكانت فوزية تدخلها لأول مرة فعلى الرغم من قرابة شوقى لزوجها ولكنه كان قليل الاختلاط بهم فى القاهرة .. لأنه دائما مشغول بعمله .. وكانت فوزية إذا صيفت تذهب مع زوجها وأبنها إلى رأس البر .. فلم يكن هناك مجال لترى شقة شوقى إلا فى هذه المرة .. وكانت لطيفة وسرت بها لأنها تقع على البحر مباشرة وفى عمارة حديثة ..

وخصص شوقى لها ولأبنها الغرفة الوحيدة التى تطل على البحر ولأنها كانت متعبة .. ومحطمة الأعصاب .. وتبكى باستمرار .. تركها تستريح .. ونزل هو إلى السوق يتسوق الأشياء اللازمة للبيت والعشاء ..

ولكن فوزية ظلت جبيسة فى غرفتها ولم تخرج منها ولم تتناول العشاء . وكان يعرف أنها تجتر أحزانها فتركها تستريح دون أن يزعجها إلى الصباح ..

وفى الصباح أتجهوا ثلاثتهم لزيارة زوجها .. وحوالى الساعة التاسعة دخل زوجها القفص ورأته شاحبا .. وأن بدا حليق الذقن وفى لباسه العادى .. ونظراته الثابته .. ولما لمح ابنه الصغير إنتفض كأنما لدغته عقرب وشحب وجهه شحوبا شديدا وبقى جامدا فى مكانه .. ثم مد يده للغلام فقربته أمه منه ..

وسألها :
ـ متى جئتم .. ؟
ـ الصبح .. فى أول قطار ..
ـ هذا أحسن .. أين كنتم تنامون فى الإسكندرية ..

ثم نظر لشوقى .. وكان قد سلم وابتعد يتحدث مع أحد العساكر ..
ـ وشوقى .. جاء معكم ..
ـ لقيناه فى المحطة ..
ـ بعد الزيارة خذى عادل وارجعى « مصر » على طول .. اطمئنى ليس على شىء ..
ـ حاضر ..
كان يخشى عليها من وجودها وحدها فى الإسكندرية ..

وكان الحارس .. وكل من يقع نظره عليها يحملق فيها فى ذهول .. كان جمالها وأناقتها فى ملبسها ملفتين للأنظار ..

حتى أن السجان نفسه المكلف بمراقبة الزيارة خجل من أن يقول لها أن ميعاد الزيارة قد أنتهى .. ولم يجرؤ على أن يبعد زوجها عنها ..

وأخيرا دخل زوجها وابتلعه ظلام السجن .. ووجدت نفسها وحيدة وسرت فى أوصالها رعدة وأخذت تنشج .. ثم اعتمدت على ذراع شوقى وبارحت المكان وفى عينيها الدموع الحارة .. وكان طفلها قد تعلق بثوبها فى ضراعة ولكنها لم تكن تحس بوجوده لأول مرة أظلمت فى وجهها الدنيا وأحست بالظلام يتسرب إلى نفسها ..

لقد كانت تفرحها البهجة التى عاشت فيها من قبل المال .. والسيارة الخاصة والسكن على النيل فى عمارة ضخمة .. وكان طوع بنانها كل ما تطلبه وتحن إليه كانت هذه الأشياء تفرحها من قبل .. ولكنها رأتها الآن محوطة بالأسلاك الشائكة والحديد .. وأحست بالضياع ..

أخذت تتراجع إلى الخارج .. وهى شاحبة الوجه .. وأحس شوقى بلوعتها فأركبها « تاكسيا » .. وفى « التاكسى » أطلقت العنان لعبراتها .. وكان ابنها بجوارها ذليلا فضمته إليها ..

ولما رأت السيارة تنطلق فى طريق الكورنيش سألته :
ـ إلى أين .. ؟
ـ سنروح البيت ..
ـ لا .. أنا عاوزه أسافر .. على طول ..
ـ طبعا .. سنسافر .. ولكن بعد أن تستريحى قليلا .. تعبت وأنا أشفق عليك من هذا العذاب .. وسأرى المحامى .. ليقدم له معارضة فى وقت قريب ..
ـ ضرورى نأخذ قطر خمسة .. خوفا من أن ينام عادل منا فى السكة ..
ـ سأعمل حسابى على ذلك ..
وظلت فوزية شاردة الذهن ..

واستفاقت لنفسها عند ما وقفت السيارة أمام العمارة فى حى أسبورتنج وصعدوا إلى الدور السابع ..

واستراحت فوزية بعد أن وجدت نفسها بعيدا عن العيون فى داخل الشقة فقد أراحها البكاء الطويل وانزاحت عن نفسها الغمة التى لازمتها بعد رؤيتها لزوجها فى القفص ودارت ببصرها لتتفقد الشقة بكل تفاصيلها فلم ترها الليلة الماضية إلا فى نظرة عابرة ..

كانت الشقة جميلة الأثاث .. أنيقة للغاية وكان جو المكان يوحى بالشاعرية .. وكان من الجلى أن أنامل سيدة ترتب المكان وترعاه ..

وانطلق الغلام يعدو فى الشقة وهو غير شاعر بما يجرى فى الدنيا ..

وظلت فوزية تفحص المكان بعينيها وشعرت للمرة الثانية وهى جالسة مع شوقى والباب مغلق بالخجل .. وأحست بالحاجة لأن تذهب إلى دورة المياه ولكنها خجلت من أن تدخل أمامه ..

وسألته وهى تشعر بالحرج :
ـ منذ متى استأجرت هذه الشقة ..؟
ـ منذ ثلاث سنوات ..
ـ جميلة ..
ـ أعجبتك .. ؟
ـ جدا .. وبتصيف فيها .. ؟
ـ بالطبع وأحيانا آتى فى الشتاء .. الإسكندرية .. جميلة فى الشتاء وهادئة .. وهذه الأيام العاصفة تعتبر شاذة ..
ـ أننا نصيف فى رأس البر ..
ـ حدثنى بذلك عبد الفتاح ..
ـ والصيف المقبل .. لا ندرى أين نكون .. لا نعرف مصيرنا ..
ـ فى رأس البر بإذن اللّه كما اعتدتم .. وسأتركك ساعة لأذهب إلى المحامى ..
ـ أذهب معك ..
ـ لا داعى لذلك أستريحى أنت وعادل .. ولكن لا تقلقى سأنتظر المحامى فى مكتبه إلى أن يحضر إذ ربما عنده اليوم جلسة .. فى المحكمة ..
ـ إننا فى انتظارك .. إلى أن ترجع بالسلامة وخذ مقدم الأتعاب ..
وفتحت محفظتها ...

فنظر إليها .. وهى تخرج ورقة من ذات عشرة الجنيهات ..
ـ خلى النقود معك الآن سأعطيه .. وأحاسبك بعد ذلك .. وفى عودتى سأحمل معى طعام الغداء .. فاستريحى ..
وخرج وأغلق الباب ..

* * *

كانت فوزية تعرف أن الوقت يمر فى تثاقل والنهار على قصره سيطول فبماذا تشغل نفسها حتى يعود شوقى .. كان وجود عادل يسليها فى بيتها ولكن هنا .. كان الأمر على العكس .. والساعات بطيئة .. وخرجت تدور فى الشقة وتخرج من غرفة إلى أخرى .. وتقلب فى المجلات والصور ..

لم تكن الشقة فى أناقتها شقة رجل عازب .. أو شخص يتخذها مصيفا .. بل كانت شقة عروس وعفش عروس .. وأنامل الأنثى بادية فى كل مكان ..

ربما كان شوقى متزوجا وهى لا تدرى .. أو متخذا لنفسه عشيقة .. أو يأتى فى كل ليلة بامرأة كما يفعل غيره .. وأخذت هذه الخواطر تدور فى رأسها .. وعجبت من كونها تفكر فى مثل هذه الأشياء وتشغل نفسها بها وهى على هذه الحالة من التعاسة ..

ووجدت « راديو » صغيرا فى حجرة النوم فأدارته .. وانساب النغم هادئا .. وكان عادل يروح ويجىء وهو فى بهجة منطلقة .. واستوثقت أمه من علو الشرفة .. واطمأنت وتركته يمرح على هواه ..

وكان الجو شديد البرودة فى داخل الشقة مثله فى الخارج والبحر هائجا والموج يصفق وكانت هناك ريح غريبة قد بدأت تهب وشاهدت بعض البواخر الكبيرة .. تسير من بعيد فى عرض البحر وهى تصارع الأمواج وعلى مدى البصر رأت السلسلة .. وبعض الزوارق الصغيرة طاوية أشرعتها وراسية هناك ..

وأخذت تتابع بعينها تحركات البواخر فى عرض البحر .. وكان سباق اسبورتنج وراءها وقمم البيوت وقبابها وبدت المدينة يخيم عليها السحاب ويلفها فى شملته ..

* * *

وعاد شوقى بعد الساعة الثانية .. يحمل طعام الغداء ...
وأعدت فوزية المائدة وسألته على الطعام :
ـ هل قابلت المحامى .. ؟
ـ لم يحضر من المحكمة حتى الساعة وقد تركت له ورقة لأعود إليه فى الساعة الخامسة مساء ..
ـ سأترك لك الموضوع وأسافر ..
ـ إبقى إلى الغد .. وسنسافر معا .. كما جئنا معا .. أرجوك ..
ـ لقد وعدت عبد الفتاح بالسفر اليوم .. ولابد من السفر ..
ـ إنى أشفق عليك من العودة وحدك .. وسأنهى الموضوع الليلة وربما لحقنا قطر سبعة وربع ..
ولم تعقب فوزية ووقف الحديث عن السفر عند هذا الحد ..

* * *

وبعد الغداء .. جلسوا يتحدثون .. ونام الغلام .. وأحست الأم لنومه بالراحة ..

وخرج شوقى .. وذهب إلى المحامى .. وعاد فى الساعة السادسة مساء وحكى لها ما جرى مع المحامى وكيف طمأنه وسيتخذ الإجراءات للمعارضة فى أمر الحبس من الغد ..

وظل شوقى يحادث فوزية ويطمئنها على حال زوجها ويحبب لها البعد عن جو القاهرة فى ذلك الوقت حتى رضيت أن تقضى الليل فى الإسكندرية ..

ولاحظ عليها قلقها وحزنها وكان يود أن يشغلها بأى شىء فاقترح عليها أن تقوم بإعداد العشاء ولو بالإكتفاء بطبق واحد .. ولكنها اعتذرت بكون أعصابها محطمة ولا تحس بالقوة على أن تقف أمام النار ..
وأخيرا قررا النزول والتعشى فى الخارج ..

ولما رجعوا ثلاثتهم كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة ولم تكن فوزية تحس بالنوم فقد كانت أعصابها لا تزال متوترة فأبدت له رغبتها فى أن تجلس فى أى مكان قريبا من البحر .. لم تكن قد زارت الإسكندرية فى الشتاء وكانت ريح البحر ترطب وجنتيها .. وتغسل روحها .. كانت تود أن تصفو روحها القلقة .. وأن يداعب وجهها الهواء البارد ..

* * *

ولم يجد أى كازينو على البحر يعمل فى الشتاء .. ووجدا مكانا صغيرا .. فجلسوا ثلاثتهم وراء النوافذ الزجاجية محتمين من الريح .. وشربا الشاى وطلبا حلوى لعادل الذى أخذ النوم يداعب جفنيه ..

وسألت فوزية بصوت خافت .. ونغمة حزينة :
ـ هل شرحت الموضوع للمحامى .. ؟
ـ أجل .. بكل تفاصيله ..
ـ وطمأنك .. ؟
ـ كل الاطمئنان ..
ـ أعتقد العكس .. وأعتقد أن عبد الفتاح لن يخرج من هذا القفص .. لقد تمزقت حياتنا .. شعرت بالضياع ..

واخضلت عيناها بالدمع .. وخجلت من كونها تبكى فى مكان عام .. وابتلعت عبراتها .. وظل هو يواسيها ويخفف الألم عن نفسها بكل كلام ..

وقالت من خلال عبراتها :
ـ إن الإنسان لا يحس بالضياع إلابعد أن يضيع فعلا ... والطمع يغشى عينيه .. فيحسب أن المال هو كل شىء فى الحياة .. منه يشترى السعادة ويتحدى القانون .. ثم يدرك بعد فوات الأوان .. أنه كان مخدوعا .. وأنه عاش فى ضلال ..
ـ يسرنى أن أسمع منك هذا الكلام .. الآن .. ؟
ـ هل تحسبنى كنت أشجعه على هذه الحياة .. ؟
ـ أبدا ما فكرت فى هذا ..
ـ لقد كان يصرف المال على مباذله وشهواته الخاصة .. ويضيع كل ما يجمعه يوما بيوم .. والمال الحرام لا يعيش ... وكانت رفاهيتنا مظهرية .. بحتة وفى أعماقنا يعيش العذاب ..
ـ أعرف أنك تعذبت ..
وغلبها التأثر فسالت عبراتها وأخرجت منديلها ..

وقال يواسيها :
ـ إن ما حدث مقدر .. وما ذنبك .. ؟
ـ كان يجب على أن أسأله من أين يأتى بهذا المال .. ولكننى تركته حتى جرفنا الطوفان .. فى لحظة .. تعرينا .. وكيف أواجه الناس .. وكيف يعيش الغلام المسكين وأبوه فى السجن ..
ـ فكرى فى رحمة اللّه ..
ـ إن اللّه لا يرحم من لا يتقيه .. ولا يخشاه ..
ـ لا داعى لكل هذا اليأس ..
ونظرت إلى ابنها فوجدته ينام على كرسيه ..
ـ أصح يا حبيبى ..
وتناولت يده واتخذوا الطريق إلى البيت ..

* * *

وعندما دخلوا الشقة وأغلق هو الباب بالمفتاح ووضعت هى الغلام فى الفراش .. أحست بالراحة وبأن حائطا سميكا قد فصلها عن الناس الذين كانت تخشاهم ولا تحب أن تواجههم بكل تعاستها .. وكل لوعتها وكل عريها .. لقد تعرت أمامهم .. عراها زوجها ومزق ثيابها ومزق حياتها وجعلها تقف عارية أمام الخلق لا يسترها أى شىء على الاطلاق جعلها تواجه العار وحدها .. إنها تتوارى الساعة من العار .. وراء الجدران السميكة ..

وظلت ساهرة فى الصالة وشوقى يحادثها فى مختلف الشئون حتى يسرى عن نفسها ..

وكانت تسمع من حين إلى حين صوت ابنها الذى تركته فى غرفة النوم وحده ..
ـ ماما ..
فنهضت إليه مسرعة .. فتجده فاتحا عينية .. كانت تحسب بعد ان رأته ينام على كرسى المقهى .. انه سينعس بمجرد وضعه فى الفراش .. ولكنه كان يغفو ثم يصحو .. على غير عادة .. ولعل فى رأسه الصغير شيئا لم تعرفه عندما وجد نفسه فى بيت غير بيته .. وظلت بجانبه .. وكلما بارحت الغرفة ناداها .. فاضطرت أن ترد الباب .. وترقد بجواره متيقظة ونائمة حتى أشرق نور الصباح ..

* * *

وجلسا إلى المائدة يشربان الشاى فى الصباح .. وكان الغلام قد بدأ ينام .. شربا الشاى فى تمهل وخاضا فى فنون الأحاديث .. ولما طرقا موضوع السفر .. كانت قد أقتنعت تماما بأن تبقى يومين أو ثلاثة فى الإسكندرية .. بعيدا عن معارفها وجيرانها فى القاهرة .. حتى يتحدد ميعاد المعارضة ..

وخرج شوقى يتسوق الطعام من السوق ثم ذهب إلى مكتب المحامى وبقيت فوزية فى البيت ومضى الصباح ثقيلا مملا والأفكار السوداء تنهش رأسها .. وظلت فى البيت إلى الساعة الحادية عشرة من الصباح لم تر موجبا للخروج ثم شغلت بإعداد الطعام وطلب أنبوبة « البوتاجاز » .. وتشغيل المطبخ وشاعت الحركة فى الشقة المهجورة .. وكان الغلام ينزل إلى الأدوار الأرضية ويلعب فى مدخل العمارة مع الأولاد ثم يصعد مسرورا .. فقد وجد ما يؤنسه فى وحشته ..
واستراحت فوزية لوجودها منعزلة عن الناس وقريبة من البحر وكانت تسمع صوت الموج رعادا .. وكانت الشمس تطلع ثم تغيب وراء السحاب وبدا النهار أقل برودة من الأمس ..

لما جاء شوقى وحدثها بأن المحامى بذل جهده لتكون المعارضة فى يوم السبت المقبل .. شكرته لتعبه ولاحظت أنه خارج لتوه من عند الحلاق وأنه يبدو على غاية من الأناقة .. وقد التمع شعره وتعطر .. وأخذت فوزية تنظر إليه وكأنها تراه أمامها لأول مرة .. بدا أنيق الهندام وأكثر رقة من زوجها وكان متقاربا معه فى السن والطول وفيه صفات أسرة زوجها ولهجتهم .. كان فى الرابعة والثلاثين من عمره أبيض طويلا مستدير الوجه وفى عينيه ذكاء مفرط .. وكان مثل زوجها يشتغل بالتجارة ولكنه لا يبذل كل جهده فيها ومع ذلك بدا لها موفقا غاية التوفيق فى أرباحه .. ولم تكن تعرف على اليقين الشىء الذى يجلب له المال .. وكان ميسورا وقادرا على الزواج .. ولكنه حتى هذه السن لم يتزوج ..

ولم يكن فى فترة وجودهم فى القاهرة يزورهم فى بيتهم إلا فى النادر كل ثلاثة شهور مرة .. وكانت تعرف أنه قريب لزوجها ولكنها لا تعرف مبلغ القرابة على التحديد .. وأصبح بعد أن سافر أخو زوجها أحمد ليعمل فى أحدى السفارات فى الخارج هو الشخص الوحيد الذى تراه من أقاربائه ..

ومنذ قبض على زوجها وهى تشعر بأنه جزع للخبر مثلها .. وهو فى الإسكندرية طوع بنائها .. ويقوم بكل ما تطلبه .. وقد ذهب للمحامى عدة مرات .. وأراحها فى بيته .. ويصرف على الطعام والشراب .. ولم يكن فى محفظتها هى غير عشرة جنيهات وبعض الحلى حملتها معها لتبيعها وتصرف منها على زوجها المحبوس .. ولم يكن فى بيتهم أى وفر من المال ..

كان زوجها يكسب كثيرا ولكنه كان يقامر .. ويصرف كثيرا .. وكانت تعرف أنه يصرف على النساء .. ويصرف عليهن بجنون وأن النساء هن اللواتى يدفعنه إلى كل هذه الأمور الشائنة وظلت صابرة وكانت تتصور أنه سيعود إلى عقله ويعود إليها خصوصا بعد أن كبر عادل .. ولكن المقادير كانت أسرع من تقديرها وها هو الآن فى داخل القفص .. وقد تركها فى الخارج للمقادير وريح الشتاء ..

وعندما وضعت المائدة .. لاحظت أن شوقى يجلس فى كرسيه فى الصدر وفى مواجهتها تماما .. كما كان يفعل زوجها فى بيتهم فى القاهرة ..

وتناولت طعامها وهى تلاحظه بعينيها يأكل .. وكان طفلها عادل كعادته.. مدللا .. قلقا وقد أتعبها وهى تطعمه وزاد من همومها ..

* * *

وفى العصر ذهبوا إلى محطة الرمل ثم عادوا إلى البيت .. بعد الغروب وسألته .. وهى تخلع معطفها :
ـ هل ستبقى فى الإسكندرية إلى يوم السبت .. ؟
ـ نذهب أو نبقى كما تحبين .. أنا طوع أمرك ..
ـ ألا نسافر حتى فى الصحراوية .. ونعود يوم الجمعة ..
ـ أنا عند رأيك ..
عاد إليها القلق

ورآها بعد أن خلعت المعطف وبقيت فى الثوب الوحيد الذى سافرت به فلم يكن معها غير حقيبة يدها الصغيرة .. فإن الثوب أسود داكن .. ولا يدرى لم اختارته بهذا اللون هل هو مقدمة لنعى زوجها أو دليل على حزنها على مصيره .. وكان محبوك النسج على قامتها الفارعة ويبرز تقاطيع جسمها.. وتكوين صدرها .. ورقة خصرها .. واستدارة فخذيها ..

وكانت بيضاء بياضا شفافا ملتمعا .. وعلى شفتيها الخمراوين يجرى ريقها مثل الشهد .. ويشتم من بشرتها .. مثل رائحة العنبر ..

وكان الثوب الوحيد قد تكسر من طول لبسها له ومكوثها به فقد كانت لا تخلعه الا فى الظلام .. عندما تدخل فى الفراش ..

ومع وجودها فى صحبة شوقى وملازمتها له أكثر من يوم ولكنها كانت ترتبك لمجرد إحساسها بأن عينيه تتبعانها وهى داخلة إلى دورة المياه .. ولاحظ أرتباكها فكان يذهب بعيدا عن الصالة كلية حتى لا يربكها ..

ولم يكن قد ضايقها بأية حركة أو أى عمل تشتم منه أنه ينظر إليها نظرة الرجل إلى الأنثى .. كانت نظرته ساكنة مؤدبة .. وكان دائما على استعداد لأن يتحمل كل شىء فى سبيل راحتها .. فنام على ( كنبة ) فى غرفة بعيدة عنها وترك لها غرفة نومه بكل ما فيها من رياش واطمأنت تماما لصحبته ..

* * *

وفى اليوم الثانى وبعد الغداء .. أغلق عليه باب الغرفة التى ينام فيها .. تركها فى حريتها مع طفلها .. وجمعت للطفل أشياء يلعب بها .. فى الصالة وجلست قريبة من النافذة من وراء الزجاج ملقية نظرها على الإسكندرية .. على السلسلة .. وعلى رءوس المنازل البيضاء الملتمعة كلما طلعت الشمس وكان الكورنيش فى نصف دائرة من رأس التين إلى المنتزه ..

والبحر أزرق اللون بين هذين وقد بدا هادئ الصفحة وخف عراكه مع الريح ..

لم تكن تسمع حركة السيارات فى الطريق ولا صوت أحد فى هذه الشقة العالية .. واسترخت أعصابها فى هذا الجو الهادئ .. كان الهدوء يؤثر على قلبها .. ويشعرها بالبهجة الحالمة وكانت تشعر فى مثل هذه الأوقات برغبتها فى أن تعانق أحدا لتشعره بسرورها ..

وكان شعاع طويل من الشمس ينفذ من خلال زجاج النافذة ويرتمى على السجادة ونظرت إلى الشعاع وأحست بالرغبة فى أن تستدفىء فى هذا المكان .. فوضعت شيئا تحت رأسها .. وتمددت على السجادة ..

وراحت فى غفوة لذيذة وأحست بالدفء ولم تشعر بنفسها .. إلا وهى ترى عينى شوقى ترقبانها .. وكان قد فتح باب غرفته فرآها فى رقدتها .. فوقف فى مكانه يتأملها فى سكون ولم يكن يود أن يقوم بأية حركة مخافة أن تصحو ولكنها صحت على حركة من ابنها ..

ولما فتحت عينيها وجدت (شوقى) يرقبها باسما وكان الثوب قد انزاح عن ساقيها .. فنهضت سريعا ووجهها فى لون العناب ..

ودخلت غرفتها .. وأخذ هو يداعب ابنها (عادل) .. ولما فرغت من زينتها كانت فى حالة من الانشراح شجعته على أن يقترح عليها أن يذهبوا إلى السينما فى حفلة الساعة السادسة .. فقبلت .. واختاروا سينما ريو .. وفى الطريق إليها اشترت بعض الملابس الداخلية لها وللغلام .. لأنها لم تكن تحمل غيارات أطلاقا ..

ولما رجعوا إلى البيت .. تعشوا ودخل شوقى غرفته .. ولما أدركت أنه نام .. ذهبت إلى الحمام .. أخذت تغسل ملايسها الداخلية المتسخة وملابس الغلام .. ووجدت حبلا فى الشرفة .. فنشرت الملابس فيه ..
وأغلقت الباب الزجاجى .. وشعرت بهدأة الليل ..

وكان عادل نائما على الكنبة فى الصالة فحملته إلى الفراش .. وأغلقت النور لينام ..

ولكن قبل أن تنام أحست بصوت الريح فى الخارج .. ثم صوت المطر .. واخذ المطر .. ينهمر بشدة .. فرأت أن تبعد الملابس التى نشرتها عن المطر .. وفتحت نافذة الشرفة على عجل فهبت الريح قوية فى وجهها وخبطت أبواب الشقة ..

وعندما اقتربت من حبل الغسيل لتجمع الملابس المنشورة شعرت بأنها هى نفسها تكاد تطير فى الجو من قوة الريح .. وسقط شىء صغير من يدها وحملته الريح إلى جوف الليل وندت عنها صرخة .. وتراجعت مذعورة من قوة الريح فوجدت نفسها على صدر شوقى وضمها إليه يحميها من العواصف وأدخلها فى الصالة وأغلق زجاج الشرفة ..
ولامس بشرتها وجسمه جسمها وشعر بمثل النار ..

ودخلت شاحبة اللون ووجدت ابنها ( عادل ) يرقب المشهد من مكانه على السرير ..

* * *

وعاد شوقى إلى غرفته وهو يحس بهزة عميقة وقسوة عارمة .. فقد لامس جسمه جسمها .. لعبت الريح .. دون غرض .. فأشعل الحادث الذى حدث دون تدبير فيه النار ..

ولم ينم وظلت الريح تعصف طول الليل والمطر ينهمر وكان البحر هائجا كالغول وهما يسمعان صوته ..

وشعرت بالخوف وكان همها أن تدثر الغلام وتدفئه حتى ينام .. ودخل عليها شوقى الغرفة لما أحس باشتداد البرد وفعل الريح ، يحمل لها بطانية أخرى فشكرته ووضعتها على الغلام .. وجلست على طرف الفراش وهى تنظر إلى عينيه ليذهب عنها .. ولكنه ظل واقفا فى مكانه .. كأنه بعد أن لامس جسمها واحتضنها عفوا .. أصبح له الحق فى أن يدخل عليها غرفتها .. ويبقى فيها ..

وسألها عن الطفل ..
ـ هل نام .. ؟
فهزت رأسها نعم ..
ـ وأنت هل تشعرين بالبرد .. ؟
ـ أبدا ..
ـ سأعمل لك ولنفسى فنجانين من الشاى ..
وسرت لأنه يهتم بها حتى فى هذه الأوقات ويتحمل التعب فى سبيلها .. ولكنها لم تتركه وحده ونهضت وراءه إلى المطبخ ..

وكان قد وضع الغلاية على النار .. وقف يرقب .. وأخرجت هى « الفناجين » ووضعتها على المائدة فى الصالة .. فذهب وراءها .. وجلسا يتحدثان فى همس خوفا من أن يصحوا الطفل واستغرقا فى الحديث .. حتى سمعا صوت الغلاية وهى تفور .. فجريا إلى المطبخ .. ومد يده قبلها فلسعته النار .. فألقى بالغلاية فى الحوض وتناولت فوزية يده وقد لسعته النار ..

وبعد لحظة سمعت صوت الطفل ينادى .. فجرت إلى الطفل ..

وفى اليوم التالى .. نسيت السفر إلى القاهرة .. أحست برغبتها فى أن تبقى فى الإسكندرية .. وظلت قلقة .. إلى الصباح ..

* * *

وفى أول الليل دخلت .. صيدلية واشترت أقراصا منومة .. وكان الصيدلى فى أول الأمر يرفض أن يبيع لها هذه الأقراص من غير ( روشتة ) طبيب ولكن لما رأى وجهها الشاحب وشرحت له حالها ونفسها وأنها لم تذق النوم منذ أسبوع أعطاها الأقراص ..

* * *

ومع كوب صغير من اللبن أعطت الطفل ثلاثة أقراص وهو فى الفراش دون أن يراها شوقى ..

ثم رقدت بجوار ابنها فأحست ببرودة جسمه فذعرت .. ونظرت إلى عينيه وحركته .. فصرخت فى جنون ورعب ..
وأدركت أن الأقراص المنومة قد أنامت ابنها إلى الأبد ..

وجاء شوقى على صرخاتها ولكنه لم يستطيع الأقتراب منها وهى تلطم خديها وتمزق ثوبها وشعرها .. فقد كانت فى حالة من فقد عقله تماما ..

===============================
نشرت القصة فى مجلة آخر ساعة 18/4/1962 وأعيد نشرها بمجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " زوجة الصياد " وبمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
================================

ليست هناك تعليقات: