الخميس، ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٦

الكردان ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى



الكردان

قصة محمود البدوى

كان العشى يزحف على القرية .. وتسربت خيوط الظلمة إلى داخل الأفنية وبدت السنة الدخان الأسود تتصاعد من سطح البيوت .. إيذانا باعداد العشاء للرجال العائدين من الحقول .

وكان الهواء ثقيلا فى داخل المنازل وخارجها .. وظلت الدواجن والفراريج رغم الظلمة الهابطة تنقر الأرض الجافة حول المساكن .. وفى أطراف البساتين .

وكانت حوافر الدواب تحفر على الجسر فى الأرض المتربة .. والكلاب تتوثب وهى تنبح بشدة .. كلما دخل القرية فوج جديد .

وأخذت أسراب من الأوز والبط والديكة تصرخ وهى تجرى باحثة عن ملجأ من هذه الأرجل العمياء .

وظلت الأبقار تثغو .. كأنها تنادى .. عجولها الصغيرة .
وكانت القرية مشهورة بأبقارها السمينة إذ أنها تطلقها ترعى على هواها فى أرض الجزيرة البكر طوال السنة تحت الشمس الضاحـكة .. والهواء الطلق .. فتنـمو كالعشـب البرى مكتنزة سليمة .

وعندما تغمر الجزيرة مياه الفيضان فى سبتمبر من كل عام وتغرق الصوامع والزرابى تنقل المواشى إلى القرية .

وكان عبد الرحمن فراج وهو فلاح كادح من أهل القرية .. يعنى بتربية العجول .. ويملك أحسن قطيع للماشية .. وكان قطيــعه يأتى مع آخر فوج .. ووقف على الجسر ينتظره .

وكان ابنه حسان يسوق البهائم إلى القرية قبل أن تطفل الشمس .

وكانت تسير فى طريق الوادى المقفر وقد اعتاد الفلاحون على سلوك هذا الطريق ليختصروا من المسافة أربعة فراسخ .

وكان عبد الرحمن يتوقع عودة قطيعه فى الغروب فلما تأخر ترك الجسر وخرج لملاقاته فى البرية وتقدم الرجل فى خط مستقيم تجاه النيل .. وبعد أن ابتعد بمقدار فرسخين عن القرية .. انتابته الهواجس .. وخشى أن يكون ابنه قد أصابه مكروه .. فسرقت منه البهائم وقتله اللصوص .. وجعله هذا الخاطر يسرع فى مشيته ويشحذ حواسه .. ولما بلغ بطن الوادى أحس بأنفاس التراب الذى تحته وبالهواء الراكد يخنقه .. وسمع حركة فأرهف سمعه .. وحاول بجدع الأنف أن يسمع حوافر الدواب وهى مقبلة من بعيد .. وكان نظره الثاقب لايستقر فى مكان .. ورأى الحسك والشوك والعشب البرى ينمو فى مواضع متفرقة .. وبقايا الجذور السوداء قائمة هناك فى التربة القاحلة .

وأصبحت البرية أشد وحشة ورهبة فى الليل .

ورأى سوادا يتحرك .. فلما تبينه بوضوح لم يجده شيئا .. وكان قد أبعد عن الطريق المألوف وعن المزارع .. ولكنه كان يسمع نباح الكلاب يتأتى اليه من بعيد .. وكان الغسق يدمى .. والريح ساكنة سكون الموت .

وفيما هو متجه نحو الشرق اقترب من شجرة صغيرة من أشجار السنط .. النابتة بفضل الطبيعة فى تلك البقعة الجرداء فتوقف بجوارها يأخذ أنفاسه ثم جلس وأشعل لنفسه سيجارة .. بعد أن أراح البندقية أمامه وتفرس فى الظلام وومض شىء فى السماء كالشهب .. ثم عادت الظلمة أشد مما كانت ، وأخذ وهو جالس القرفصاء يعبث بأصابعه فى الأرض الرملية فلمس شيئا مدفونا فى الرمال وأزاح بيده التراب .. حتى غابت أنامله فى شعر غزير ، وأدرك أنه شعر إنسان ، فارتعش بدنه .. وظل جامدا بلا حراك .. وعيناه تحدقان فى رعب .. فقد فوجىء بشىء لم يكن يتوقع وجوده أصلا فى هذا المكان .

ولما عادت إليه نفسه انحنى وأزاح التراب سريعا .. فقد تصور الجسم المدفون لايزال حيا .

ورأى فى عتمة الليل وجه فتاة من أهل القرية مشهورة بجمالها الفتان .. فتاة لاكتها الألسنة أخيرا وبلغ خبر السوء أهلها .. وهاهم قد واروها مع الخبر فى التراب .

اقترب عبد الرحمن من وجه " نجية " يتأملها فى سكون الموت .. كانت الفتاة لاتزال محتفظة بنضارتها وكأنها مازالت تتنفس .. كان وجهها لايزال على جماله .. ولم يأخذ منه الموت بعد .. وأحس عبد الرحمن برجفة وذعر .. ان القتل رهيب .. والروح التى انطلقت فى عليين منذ لحظات .. هى التى ترعشه الآن .. انتابته رعدة لم يحس بمثلها فى حياته .

كان احساسه بأن بجواره فتاة قد قتلت منذ ساعة قد شل حواسه وأرعش بدنه وهو الريفى الجسور .. وكم من مرة خرج فى الليل .. وجاب الطرقات .. ولكنه الآن يموت من الذعر .. ومعه السلاح .. وكم من مرة نزل إلى القبور ووسد بيديه هاتين الموتى من الفلاحين .. ولم يشعر بغير الحزن الذى يحس به الانسان نحو الموتى .. ولكنه يرتجف الساعة لأن بجواره قتيلا والقتل رهيب وبشع .. ولقد لمس رهبته وبشاعته .. ان الروح ليست رخيصة بالحد الذى يتصوره السفاحون .

وعاد يتأمل وجه " نجية " .. كانت نائمة نوما لاحلم فيه .. وخدها على كفيها .. وشعرها الغزير الأسود كليل يدخل فى ليل ..

وبدت له فى الواقع أجمل من كل من رأى من النساء ومع أنها ماتت مخنوقة .. ولكنها ظلت جميلة .. ولم يستطع الموت أن يمحو نضارتها .. وحدق فى وجهها ورأى آثار الأصابع فى عنقها .. وخطا أزرق فى مكان الكردان الذى كان عليها .

ونفض عن ثوبها الأزرق الرمال العالقة به .. وغطى وجهه بملحفته .. ثم استقبل القبلة وصلى عليها ركعتين ..

وعاد فحفر لها حفرة بعيدا عن مواطىء الأقدام .. وسـواها فيها ..

ووقف وقد غلبه الحزن ينفض عن ثوبه التراب ويفكر فى الذى فعل هذه الجريمة من أهل الفتاة .. قد يكون عمها عبد الصبور .. وقد يكون خالها هشام أو أخوها خليفة ، ان الجهالة تركبهم جميعا فى مثل هذه الحالة وطباعهم طباع السفاحين .. وحار فيمن فعل ..

وأحس بالأسى على عقل الانسان عندما يتلوث .. ويتحكم فيه الشيطان .. واعتصر قلبه آلام على المصير الذى لاقته الفتاة المسكينة وفكر فى أنها مظلومة .. وأنها رميت بالسوء دون بينة .. وأن الجهالة تعمى البصيرة وتغلق كل مسالك العقل وتدفع إلى الجنون .

***

وكان حادث الفتاة قد أنساه ابنه حسان فرجع يفكر فيه .. وفى سبب تأخره إلى هذه الساعة ثم خطر له أن يطلق طلقة فى الهواء فإن كان ابنه قريبا من المكان وسمع صوت الطلقة سيرد عليها بمثلها .

ورفع البندقية .. وأطلق طلقة وجاء الرد سريعا من طلقة مكبوتة لم يهتز لها الجو ..

ولكنه سمعها بوضوح بسبب ركود الهواء .. وشعر بالفرحـــة .. وتحرك فى اتجاه المكان الذى خرجت منه الطلقة .
وكانت النجوم قد أخذت تلتمع فى السماء وبدت الظلمة فى البرية أخف مما كانت من قبل .

وتطلع الرجل إلى التل .. ورأى عن بعد خطا أسود يتحرك فى الظلام فى بطء وسكون .. وأحس بأنه قطيعه .. وانحرف إلى التل ليكون أسرع فى الوصول إليه ، وتعثرت قدماه وهى تمضى على عجل فى رجل ملقى على سفح التل .. فاستدار إليه وهو يحسبه نائما أو أصيب بضربة شمس .. ولما حركه وجده خليفة أخا الفتاة المقتولة .

وقد أصيب برصاصة فى صدره والدم مازال ينزف منه .. ورأى يده قابضة على شىء .. الكردان الذى انتزعه من عنق الفتاة منذ ساعة ولعله كان يحمله إلى أهله كدليل على تنفيذ جريمته .

وعجب عبد الرحمن للضربة التى جاءت سريعا دون أن يحسب لها حسابا .. ولم يكن يدرى أرصاصته هو أم رصاصة ابنه هى التى قتلت الرجل ولكنها على كلتا الحالتين كانت ضربة من القدر فى صدر الجريمة وجاءت سريعا قبل أن يجف الدم المهدور .

وحفر عبد الرحمن حفرة للرجل وسواه فيها كما سوى من قبل الفتاة .

وأطلت فى هذه اللحظة رءوس القطيع من فوق التل !!
=================================
نشرت القصة بصحيفة المساء فى 1691960 وأعيد نشرها بمجموعة "قصص من الصعيد " من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
=================================





ليست هناك تعليقات: